سيد محمد طنطاوي

121

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وقوله * ( مَعْرُوفاً ) * صفة لمصدر محذوف . أي : صحابا معروفا . أو منصوب بنزع الخافض . أي : بالمعروف . ثم أرشد - سبحانه - إلى وجوب اتباع أهل الحق فقال : * ( واتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنابَ إِلَيَّ . . ) * . أي : واتبع - أيها العاقل طريق الصالحين من عبادي ، الذين رجعوا إلى بالتوبة والإنابة والطاعة والإخلاص . * ( ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ) * جميعا يوم القيامة - أيها الناس - * ( فَأُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * في الدنيا ، وأجازى كل إنسان على حسب عمله : فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَه . ومَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه . قال القرطبي ما ملخصه : وهاتان الآيتان نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص لما أسلم ، وأن أمه حلفت أن لا تأكل طعاما حتى تموت . . وفيهما دليل على صلة الأبوين الكافرين ، بما أمكن من المال إن كانا فقيرين . . وقد قالت أسماء بنت أبي بكر الصديق ، للنبي صلى اللَّه عليه وسلم وقد قدمت عليها خالتها وقيل : أمها من الرضاعة : يا رسول اللَّه ، إن أمي قدمت على وهي راغبة أفأصلها ؟ قال : « نعم » وراغبة قيل معناه : عن الإسلام ، أو راغبة في الصلة « 1 » . ثم ذكر - سبحانه - بقية الوصايا التي أوصى بها لقمان ابنه فقال : * ( يا بُنَيَّ إِنَّها إِنْ تَكُ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ ، فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ ، أَوْ فِي السَّماواتِ ، أَوْ فِي الأَرْضِ ، يَأْتِ بِهَا اللَّه ) * . . والضمير في قوله : * ( إِنَّها ) * يعود إلى الفعلة التي يفعلها من خير أو شر . و * ( تَكُ ) * مجزوم بسكون النون المحذوفة ، وهو فعل الشرط . والجواب : « يأت بها اللَّه » والمثقال : أقل ما يوزن به الشيء . والخردل : في غاية الصغر والدقة . والمعنى : يا بنى إن ما تفعله من حسنة أو سيئة ، سواء أكان في نهاية القلة والصغر ، كمثال حبة من خردل ، أم كان هذا الشيء القليل مخبوءا في صخرة من الصخور الملقاة في فجاج الأرض ، أم كان في السماوات أم في الأرض ، فإن اللَّه - تعالى - يعلمه ويحضره ويجازى عليه * ( إِنَّ اللَّه ) * - تعالى - لطيف خبير أي : محيط بجميع الأشياء جليلها وحقيرها ، عظيمها وصغيرها . فالمقصود من الآية الكريمة ، غرس الهيبة والخشية والمراقبة للَّه - تعالى : لأنه - سبحانه - لا يخفى عليه شيء في هذا الكون ، مهما دق وقل وتخفى في أعماق الأرض أو السماء .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 14 ص 65 .